ابن ميثم البحراني
13
شرح نهج البلاغة
نفعه وإلَّا لكان بسبب طلبه لنفع ما من إمساك يده الواحدة عنهم المستلزم لإمساك أيديهم الكثيرة عنه مضيّعا على نفسه منافع عظيمة فيكون بحسب قصده لنفع ما مضيّعا لما هو أعظم منه فيكون مناقضا لغرضه ، وذلك جهل وسفه . وقوله : ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودّة . من تمام تأديب الأغنياء بما يعود عليهم منافعه وينتظم به شمل المصلحة في العالم من التواضع ولين الجانب للخلق فاستدرجهم إلى التواضع بذكر ثمرته اللازمة عنه الَّتي هي مطلوبة لكلّ عاقل ، وهي استدامة مودّة الناس المستلزمة لنفعهم ولعدم نفرتهم المستلزمين لصلاح حال التواضع فيما يقصده ، وبمثل ذلك أدّب الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : « وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » وقد عرفت أنّ سرّ ذلك استجلاب الألفة لهم والمحبّة بينهم عند سكونهم إليه ليجتمعوا على قبول أقواله ، وظهر أنّ شيئا من ذلك لا يحصل عند جفاوة الخلق والتكبّر كما قال الله تعالى « وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ » ( 1 ) وإن حمل لفظ الحاشية على الأتباع والأخدام كان ذلك تأديبا لهم بالتواضع من جهة أخرى ، وذلك أنّ حاشية الرجل وخاصّته هم حرسة عرضه وميزان عقله وعليهم يدور تدبير صلاح حاله فبحسب شدّتهم وغلظتهم ولينتهم وتواضعهم للناس يكون قرب الناس وبعدهم منه ، وبغضهم ومحبّتهم له ، وأنسهم ونفارهم عنه . وقال بعض الحكماء : إنّ سبيل الخدم والقوم من الإنسان سبيل الجوارح من الجسد ، فحاجب الرجل وجهه ، وكاتبه قلبه ورسوله لسانه ، وخادمه يده ورجله وعينه . لأنّ من كفاه تعاطى كلّ واحد من الأفعال المحتاج إليها فقد قام مقامه فيها ، وكما يلحقه الذمّ من العقلاء بترك إصلاح أفعاله الصادرة عن أحد جوارحه كذلك يلحقه الذمّ منهم على ترك إصلاح من يقوم مقامه في تلك الأفعال بتوليته إيّاها ، وكما يستديم مودّة إخوانه ويستجلب مودّة الناس بتواضعه بنفسه ولين جانبه لهم كذلك يستديمها بتأديب حاشيته وخدمه بالآداب المتّفق على حسنها بين الناس . وأهمّها وأنفعها في ذلك لين الجانب وترك الكبر المنفّر فإنّ أوهام الخلق حاكمة بنسبة كلّ خير وشرّ يجري من حاشية الرجل إليه . وإن كان صدق هذا الحكم
--> ( 1 ) 3 - 153